الاثنين، 14 فبراير 2011

كلما اشتهيت


مالم تكن مكرها فانك تختار من بين الأفعال ما يرضيك وحتى في تلك الحالة تحاول أن تختار الفعل الأفضل. الرغبة في فعل شيء ما هي المحرك الأساسي لكل أفعالنا وهذه الرغبة لها دافعان لا ثالثا لهما , الحاجة أو الاشتهاء. والنتيجة النهائية المرجوة من وراء هذا الفعل هي الاحساس بالنشوة. والنشوة نفسها إما نشوة جسدية ,كالشبع بعد الجوع مثلا, أو نشوة نفسية ,كالاستماع الى أغنية محببة. ودائما فإن انتشاءنا لابد أن يتضمن الشقين الجسدي والنفسي بنسب متفاوتة 
لا تبدوا عقولنا تدرك هذه القضية المعقدة والمتشابكة , بنتظر  المخ أن يتلقى اشارات النشوة الكاملة ولايميز بين المصدر الجسدي والنفسي , يعنيه فقط أن يحقق درجة معينة على مقياس النشوة ان صح التصوير 

تبدأ المشكلة اذا تحققت النشوة الجسدية دون النفسية , فهي في كل الأحوال  غير كافية مهما بالغت في اشباع حاجتك أو شهوتك الجسدية , تستطيع أن تقول أن خانتها قد ملئت ولا تتسع للمزيد , ولايزال المخ في انتظار ملء الخانة الباقية التي لا يميزها في الحقيقة ولا يعرف كيف يملأها فيظل يرسل اشارات لجسدك يطلب المزيد من الاشباع وهكذا تنغلق الدائرة المفرغة 

هذا واضح في حالة الشره العصبي حيث يأكل المريض كميات هائلة من الطعام دون  أن يكون جائعا حقا ولا يشبع ابدا فلايوقفه الا انتهاء ما لديه من طعام
كذلك كل الجشعين وكانزي الأموال وغيرهم 

كسر هذه الدائرة في يدك أنت , أن تعيش نشوتك بروحك ونفسك مثل جسدك  , بل ربما أكثر قليلا 
اكتشف أسرار ما وراء المادة في شهواتك وكل أفعالك , ضع لكل فعل هدف مادي وآخر نفسي روحي  




هكذا تستمتع بالحياة 
هكذا...تستحق الحياة 

في البدء كان

لو قدر لكل منا أن يتذكر لحظة ميلاده لتذكر تلك الضربة الخفيفة على مؤخرته التي أتبعها بصرخة أسعدت كل الحاضرين , قبلها بثوان كانت أمه تصرخ كذلك متحملة من الألم مالا يطيق الرجال. في الغرفة المجاورة ربما ولد طفل آخر في نفس اللحظة ولكنه لم يطلق صرخته الأولى أبدا , وانهى حياته في صمت .
لم يستجب لذلك الألم الخفيف , لم يبرز تصريح المرور الى الحياة

آلام اخرى خفيفة تعرضنا لها أثناء فترات التطعيمات , أوقات المرض , أو حتى اذا اضطر أحدنا لاجراء جراحة ما. دائما كان الألم يهبنا الحياة , درس تغافلنا عن ادراكه رغم أنه أول درس نتلقاه في حياتنا. لتحيا عليك أن تتألم وعليك أن تقاوم شعورك بالألم, هذه سنة الحياة ومالها من تبديل.

الألم ليس ذلك الشعور الناتج عن تلف أو اصابة في أنسجة جسدك وحسب. الألم شعور مرتبط بالرجاء  هذا ما عبر عنه القرآن في اشارة خاطفة : (ان تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون ) سورة النساء آية 104

عندما تصاب في جسدك يرجو العقل زوال هذه الاصابة , يشير اليك بالألم الى موضع الجرح لتعالجه  فإن استعصت عليه الاشارة للموقع بدقة اشار الى منطقة مرتبطة به فيما يعرف بالألم الارتدادي referred pain

واذا أضر بك أي من ملمات الحياة تمنيت زوال الضرر وتألمت لما انت فيه , فأنت متألم من الوحدة , من الظلم , من الاهانة , من فوات خير أو نزول مصيبة, وقد يتجاوز ألمك حدود نفسيتك فتشعر بغصة في حلقك أو عصرة في قلبك أو انقباض في معدتك وللمكتئبين أصناف وألوان من الأعراض الجسدية .

كلنا نحيا في الحياة بالرجاء , تتفاوت أمانينا واحلامنا في حجمها وبريقها , فاذا بلغنا القنوط لم تعد لحياتنا قيمة فترى الرجل لا يعبأ بما قد يصيبه مما يهدد حياته. تموت روحه قبل أن تفارق جسده
كذلك ان الرجاء اذا عظم لم يبال صاحبه بالموت, فرجاءه فيما وراء الموت عظيم .

فها هي حياتنا ليست الا رجاءات, فماهي الا سلسلة من الآلام المتتابعة. فمن يرفض أن يألم يجد نفسه يرفض أن يتمنى ومن ثم يرفض أن يعيش . ومن اراد أن يعيش فعليه أن يتحمل في سبيل رجاءه كل الآلام.




الالم ضرورة للحياة , بل هو دليل على الحياة 
تحمل ألمك وتغلب عليه ... لتستحق الحياة